🧒
الحديث التاسع عشر

احفظ الله يحفظك

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "كُنْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: يَا غُلَامِ! إنِّي أُعَلِّمُك كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْك، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَك، إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوك بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَك، وَإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوك بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوك إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْك؛ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ".
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ [رقم:2516] وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ: "احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أمامك، تَعَرَّفْ إلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفُك فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَك لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَك، وَمَا أَصَابَك لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَك، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنْ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
📚

شرح الإمام ابن دقيق العيد

مناقب عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أكثر من أن تحصر وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" [١] "ودعا له بأن يؤتى الحكمة مرتين" [٢] وثبت عنه: "أنه رأى جبريل مرتين"[٣] وهو بحر هذه الأمة وحبرها: وقد رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلاً للوصية مع صغره فقال له: "احفظ الله يحفظك" ومعناه: كن مطيعا لربك مؤتمراً بأوامره منتهياً عن نواهيه.

وقوله: "احفظ الله تجده تجاهك" أي: اعمل له بالطاعة ولا يراك في مخالفته فإنك تجده تجاهك في الشدائد كما جرى للثلاثة الذين أصابهم المطر فأووا إلى غار فانحدرت صخرة فانطبقت عليهم فقالوا: انظروا ما عملتم من الأعمال الصالحة فاسألوا الله تعالى بها فإنه ينجيكم فذكر كل واحد منهم سابقة سبقت له مع ربه فانحدرت عنهم الصخرة فخرجوا يمشون وقصتهم مشهورة في الصحيح[٤].

وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" أرشده إلى التوكل على مولاه وأن لا يتخذ إليها سواه ولا يتعلق بغيره في جميع أموره ما قل منها وما كثر وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [٥]. فبقدر ما يركن الشخص إلى غير الله تعالى بطلبه أوبقلبه أو بأمله فقد أعرض عن ربه بمن لا يضره ولا ينفعه وكذلك الخوف من غير الله وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعونك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك" وكذلك في الضر وهذا هو الإيمان بالقدر والإيمان به واجب خيره وشره وإذا تيقن المؤمن هذا فما فائدة سؤال غير الله والاستعانة به؟ وكذلك إجابة الخليل عليه الصلاة والسلام جبريل عليه السلام حين سأله وهو في الهواء: "ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا"[٦].

وقوله: "رفعت الأقلام وجفت الصحف" هذا تأكيد أيضاً لما تقدم: أي لا يكون خلاف ما ذكرت لك بنسخ ولا تبديل.

ثم قال: "واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً" فنبهه على أن الإنسان في الدنيا ولا سيما الصالحون معرضون للمصائب لقوله عز وجل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [٧]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [٨].

حواشي الطبعة

  1. رواه أحمد ١/٣١٤ ورواه أيضاً ابن حبان والطبراني وليست في الصحيحين بهذا اللفظ.
  2. رواه البخاري في فضائل الصحابة باب ذكر ابن عباس رضي الله عنه رقم ٣٧٥٦ بلفظ: ضمني النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال: "اللهم علّمه الحكمة".
  3. رواه الترمذي في المناقب باب ٤٣ حديث رقم ٣٨٢٢ عن ليث عن أبي جهضم عن ابن عباس: "أنه رأى جبريل عليه السلام مرّتين ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم مرّتين". قال أبو عيسى: هذا حديث مرسل، ولا نعرف لأبي جهضم سماعاً من ابن عباس.
  4. رواه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب قصة أصحاب الغار رقم ٢٧٤٣.
  5. سورة الطلاق: الآية ٣.
  6. ذكره الحافظ ابن كثير في تفسير سورة الأنبياء وفيه: "أما إلى الله فبلى".
  7. سورة البقرة: الآية ١٥٥ – ١٥٧.
  8. سورة الزمر: الآية ١٠.
↗ مصدر النص: المكتبة الشاملة

English translation

On the authority of Abu Abbas Abdullah bin Abbas (may Allah be pleased with him) who said: One day I was behind the Prophet (peace and blessings of Allah be upon him) . And know that if the nation were to gather together to benefit you with anything, they would not benefit you except with what Allah had already prescribed for you. And if they were to gather together to harm you with anything, they would not harm you except with what Allah had already prescribed against you. The pens have been lifted and the pages have dried.” It was related by at-Tirmidhi, who said it was a good and sound hadeeth. Another narration, other than that of Tirmidhi, reads: Be mindful of Allah, and you will find Him in front of you. Recognize and acknowledge Allah in times of ease and prosperity, and He will remember you in times of adversity. And know that what has passed you by was not going to befall you, and what has befallen you was not going to pass you by. And know that victory comes with patience, relief with affliction, and hardship with ease.