☀️
الحديث الرابع والعشرون

تحريم الظلم

عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي: إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تَظَالَمُوا. يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَنْ هَدَيْته، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ. يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْته، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَنْ كَسَوْته، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ. يَا عِبَادِي! إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا؛ فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادِي! إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْت كُلَّ وَاحِدٍ مَسْأَلَته، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ. يَا عِبَادِي! إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا؛ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ.
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
📚

شرح الإمام ابن دقيق العيد

قوله: "إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماًً" قال بعض العلماء: معناه لا ينبغي لي ولا يجوز علي كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ [١]. فالظلم محال في حق الله تعالى. قال بعضهم في هذا الحديث: لا يسوغ لأحد أن يسأل الله تعالى أن يحكم له على خصمه إلا بالحق لقوله سبحانه[٢]: "إني حرمت الظلم على نفسي" فهو سبحانه لا يظلم عباده فكيف يظن ظان أنه يظلم عباده لغيره.

وكذلك قال: "فلا تظالموا" المعنى: المظلوم يقتص له من الظالم وحذفت إحدى التاءين تخفيفاً أصله: فلا تتظالموا.

وقوله: "كلكم ضال إلا من هديته وكلكم عار إلا من كسوته وكلكم جائع إلا من أطعمته" تنبيه على فقرنا وعجزنا عن جلب منافعنا ودفع مضارنا إلا أن يعيننا الله سبحانه على ذلك، وهو يرجع إلى معنى: لا حول ولا قوة إلا بالله. وليعلم العبد أنه إذا رأى آثار هذه النعمة عليه أن ذلك من عند الله ويتعين عليه شكر الله تعالى وكلما ازداد من ذلك يزيد في الحمد والشكر لله تعالى.

وقوله: "فاستهدوني أهدكم" أي اطلبوا مني الهداية أهدكم والجملة في ذلك أن يعلم العبد أنه طلب الهداية من مولاه فهداه ولو هداه قبل أن يسأله لم يبعد أن يقول: إنما أوتيته على علم عندي. وكذلك "كلكم جائع" إلى آخره يعني أنه خلق الخلق كلهم ذوي فقر إلى الطعام فكل طاعم كان جائعا حتى يطعمه الله بسوق الرزق إليه وتصحيح الآلات التي هيأها له فلا يظن ذو الثروة أن الزرق الذي في يده وقد رفعه إلى فيه أطعمه إياه أحد غير الله تعالى وفيه أيضاً أدب للفقراء كأنه قال: لا تطلبوا الطعام من غيري فإن هؤلاء الذين تطلبون منهم أنا الذي أطعمهم "فاستطعموني أطعمكم" وكذلك ما بعده.

وقوله: "إنكم تخطئون بالليل والنهار" في هذا الكلام من التوبيخ ما يستحي منه كل مؤمن وكذلك أن الله خلق الليل ليطاع فيه ويعبد بالإخلاص حيث تسلم الأعمال فيها غالباً من الرياء والنفاق أفلا يستحي المؤمن أن لا ينفق الليل والنهار [في الطاعة] فإنه خلق مشهوداً من الناس فينبغي من كل فطن أن يطيع الله فيه أيضاً ولا يتظاهر بين الناس بالمخالفة وكيف يحسن بالمؤمن أن يخطئ سراً أو جهراً لأنه سبحانه وتعالى قد قال بعد ذلك: "وأنا أغفر الذنوب جمعياً" فذكر الذنوب بالألف واللام التي للتعريف وأكدها بقوله: "جميعاً" وإنما قال ذلك قبل أمره إيماناً بالاستغفار لئلا يقنط أحد من رحمة الله لعظم ذنب ارتكبه.

قوله: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم" إلى آخره: فيه ما يدل على أن تقوى المتقين رحمة لهم وأنها لا تزيد في ملكه شيئاً.

وأما قوله: "لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد" إلى آخره ففيه تنبيه الخلق على أن يعظموا المسألة ويوسعوا الطلب ولا يقتصر سائل ولا يختصر طالب فإن ما عند الله لا ينقص وخزائنه لا تنفد فلا يظن ظان أن ما عند الله يغيضه الإنفاق كمال قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: "يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه" [٣] وسر ذلك أن قدرته صالحة للإيجاد دائماً لا يجوز عليها عجز ولا قصور والممكنات لا تنحصر ولا تتناهى.

وقوله: "إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر" هذا مثل قصد به التقريب إلى الأفهام بما نشاهده، والمعنى: أن ذلك لا ينقص مما عنده شيئاً، والمخيط بكسر الميم وإسكان الخاء وفتح الياء هو الإبرة.

وقوله: "إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله" يعني لا يسند طاعته وعبادته من عمله لنفسه بل يسندها إلى التوفيق ويحمد الله على ذلك.

وقوله: "ومن وجد غير ذلك" لم يقل ومن وجد شراً يعني: ومن وجد غير الأفضل فلا يلومن إلا نفسه، أكد ذلك بالنون، تحذيراً أن يخطر في قلب عامل أن اللوم تستحقه غير نفسه. والله أعلم.

حواشي الطبعة

  1. سورة مريم: الآية ٩٢.
  2. أي في هذا الحديث القدسي.
  3. رواه البخاري في التوحيد باب وكان عرشه على الماء رقم ٧٤١٩.
↗ مصدر النص: المكتبة الشاملة

English translation

On the authority of Abu Dharr al-Ghifaree (may Allah be pleased with him) from the Prophet (peace and blessings of Allah be upon him) from his Lord, that He said: O My servants! I have forbidden dhulm (oppression) for Myself, and I have made it forbidden amongst you, so do not oppress one another. O My servants, all of you are astray except those whom I have guided, so seek guidance from Me and I shall guide you. O My servants, all of you are hungry except those whom I have fed, so seek food from Me and I shall feed you. O My servants, all of you are naked except those whom I have clothed, so seek clothing from Me and I shall clothe you. O My servants, you commit sins by day and by night, and I forgive all sins, so seek forgiveness from Me and I shall forgive you. O My servants, you will not attain harming Me so as to harm Me, and you will not attain benefiting Me so as to benefit Me. O My servants, if the first of you and the last of you, and the humans of you and the jinn of you, were all as pious as the most pious heart of any individual amongst you, then this would not increase My Kingdom an iota. O My servants, if the first of you and the last of you, and the humans of you and the jinn of you, were all as wicked as the most wicked heart of any individual amongst you, then this would not decrease My Kingdom an iota. O My servants, if the first of you and the last of you, and the humans of you and the jinn of you, were all to stand together in one place and ask of Me, and I were to give everyone what he requested, then that would not decrease what I Possess, except what is decreased of the ocean when a needle is dipped into it. O My servants, it is but your deeds that I account for you, and then recompense you for. So he who finds good, let him praise Allah, and he who finds other than that, let him blame no one but himself.