👶
الحديث الرابع

الأعمال بخواتيمها

عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ-: إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٍ؛ فَوَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا.
[رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ] ، [وَمُسْلِمٌ]
📚

شرح الإمام ابن دقيق العيد

قوله: "وهو الصادق المصدوق" أي الصادق في قوله المصدوق فيما يأتيه من الوحي الكريم.

قال بعض العلماء: معنى قوله: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه" أن المني يقع في الرحم متفرقا فيجمعه الله تعالى في محل الولادة من الرحم في هذه المدة، وقد جاء عن ابن مسعود في تفسير ذلك "إن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله تعالى أن يخلق منها بشراً طارت في بشر المرأة تحت كل ظفر وشعر ثم تمكث أربعين ليلة ثم تصير دماً في الرحم فذلك جمعها وهو وقت كونها علقة"[١].

قوله: "ثم يرسل إليها الملك" يعني الملك الموكل بالرحم.

قوله: "وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة" إلى آخره ظاهر الحديث أن هذا العامل كان عمله صحيحاً وأنه قرب من الجنة بسبب عمله حتى بقي له على دخولها ذراع وإنما منعه من ذلك سابق القدر الذي يظهر عند الخاتمة فإذاً الأعمال بالسوابق لكن لما كانت السابقة مستورة عنا والخاتمة ظاهرة جاء في الحديث: "إنما الأعمال بالخواتيم" [٢] يعني عندنا بالنسبة إلى اطلاعنا في معنى الأشخاص وفي بعض الأحوال، وأما الحديث الذي ذكره مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار" فإنه لم يكن عمله صحيحاً في نفسه وإنما كان رياء وسمعة فيستفاد من ذلك الحديث ترك الالتفات إلى الأعمال والركون إليها والتعويل على كرم الله تعالى ورحمته.

وقوله قبل ذلك: "ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله". هو بالباء الموحدة في أوله على البدل من "أربع كلمات".

وقوله: "شقي أو سعيد" مرفوع لأنه خبرٌ مبتدأ محذوف تقديره: وهو شقي أو سعيد.

وقوله صلى الله عليه وسلم: "فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة"

إلى قوله: "فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها" المراد: أن هذا قد يقع في نادر من الناس لا أنه غالب فيهم وذلك من لطف الله سبحانه وسعة رحمته فإن انقلاب الناس من الشر إلى الخير كثير، وأما انقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ولله الحمد والمنة على ذلك، وهو تجوز، وقوله: "إن رحمتي سبقت غضبي" وفي رواية "تغلب غضبي".

وفي هذا الحديث إثبات القدر كما هو مذهب أهل السنة وأن جميع الواقعات بقضاء الله تعالى وقدره خيرها وشرها نفعها وضرها قال الله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [٣]. ولا اعتراض عليه في ملكه يفعل في ملكه ما يشاء. قال الإمام السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب: التوفيق من الكتابة والسنة دون محض القياس ومجرد العقول فمن عدل عن التوفيق منه ضل وتاه في مجال الحيرة ولم يبلغ شفاء النفس ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب لأن القدر سر من أسرار الله تعالى ضربت دونه الأستار واختص سبحانه به وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم، وقد حجب الله تعالى علم القدر عن العالم فلا يعلمه ملك ولا نبي مرسل، وقيل إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة ولا ينكشف قبل ذلك.

وقد ثبتت الأحاديث بالنهي عن ترك العمل اتكالاً على ما سبق من القدر بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد بها الشرع وكل ميسر لما خلق له لا يقدر على غيره فمن كان من أهل السعادة يسره الله لعمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة يسره الله لعمل أهل الشقاوة كما في الحديث وقال الله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ... فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [٤].

قال العلماء: وكتاب الله تعالى ولوحه وقلمه كل ذلك مما يجب الإيمان به، وأما كيفية ذلك وصفته فعلمه إلى الله تعالى لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. والله أعلم

حواشي الطبعة

  1. أخرجه ابن أبي حاتم.
  2. رواه البخاري في القدر باب العمل بالخواتيم حديث رقم ٦٦٠٧.
  3. سورة الأنبياء: الآية ٢٣
  4. سورة الليل: الآية ٧ – ١٠.
↗ مصدر النص: المكتبة الشاملة

English translation

On the authority of Abdullah ibn Masood (ra), who said: The Messenger of Allah (ﷺ), and he is the truthful, the believed, narrated to us, “Verily the creation of each one of you is brought together in his mother’s womb for forty days in the form of a nutfah (a drop), then he becomes an alaqah (clot of blood) for a like period, then a mudghah (morsel of flesh) for a like period, then there is sent to him the angel who blows his soul into him and who is commanded with four matters: to write down his rizq (sustenance), his life span, his actions, and whether he will be happy or unhappy (i.e., whether or not he will enter Paradise). By the One, other than Whom there is no deity, verily one of you performs the actions of the people of Paradise until there is but an arms length between him and it, and that which has been written overtakes him, and so he acts with the actions of the people of the Hellfire and thus enters it; and verily one of you performs the actions of the people of the Hellfire, until there is but an arms length between him and it, and that which has been written overtakes him and so he acts with the actions of the people of Paradise and thus he enters it.”