📜
الحديث الثامن والعشرون

وجوب لزوم السنة

عَنْ أَبِي نَجِيحٍ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]، وَاَلتِّرْمِذِيُّ [رقم:266] وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
📚

شرح الإمام ابن دقيق العيد

وفي بعض طرق هذا الحديث "إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: "لقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك". قوله: "موعظة بليغة"[١]: يعني بلغت إلينا وأثرت في قلوبنا. ووجلت منها القلوب: أي خافت. وذرفت منها العيون: كأنه قام مقام تخويف ووعيد.

وقوله: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة" يعنى لولاة الأمور "وإن تأمر عليكم عبد" وفي بعض الروايات "عبد حبشي". قال بعض العلماء: العبد لا يكون والياًَ ولكن ضرب به المثل على التقدير وإن لم يكن، كقوله صلى الله عليه وسلم: "من بنى لله مسجداً كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة" [٢] ومفحص قطاة لا يكون مسجداً ولكن الأمثال يأتي فيها مثل ذلك. ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بفساد الأمر ووضعه في غير أهله حتى توضع الولاية في العبيد فإذا كانت فاسمعوا وأطيعوا تغليباً لأهون الضررين وهو الصبر على ولاية من لا تجوز ولايته لئلا يفضي إلى فتنة عظيمة.

وقوله: "وإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافاً كثيراً" هذا من بعض معجزاته صلى الله عليه وسلم: أخبر أصحابه بما يكون بعده من الاختلاف وغلبة المنكر وقد كان عالما به على التفصيل ولم يكن بينه لكل أحد إنما حذر منه على العموم وقد بين ذلك لبعض الآحاد كحذيفة وأبي هريرة وهو دليل على عظم محلهما ومنزلتهما.

وقوله: "فعليكم بسنتي" السنة الطريقة القويمة التي تجرى على السنن وهو السبيل الواضح "وسنة الخلفاء الراشدين المهديين" يعني الذين شملهم الهدى وهم الأربعة بالإجماع: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهما أجمعين.

وأمر صلى الله عليه وسلم بالثبات على سنة الخلفاء الراشدين لأمرين: أحدهما: التقليد لمن عجز عن النظر.

والثاني: الترجيح لما ذهبوا إليه عند اختلاف الصحابة.

وقوله: "وإياكم ومحدثات الأمور" اعلم أن المحدث على قسمين:

محدث ليس له أصل في الشريعة فهذا باطل مذموم.

ومحدث بحمل النظير على النظير فهذا ليس بمذموم لأن لفظ "المحدث" ولفظ "البدعة " لا يذمان لمجرد الاسم بل لمعنى المخالفة للسنة والداعي إلى الضلالة ولا يذم ذلك مطلقاً فقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [٣]. وقال عمر رضي الله عنه: "نعمت البدعة هذه"[٤] يعني التراويح.

وأما النواجذ فهي آخر الأضراس والله أعلم.

حواشي الطبعة

  1. رواه الترمذي في العلم باب ١٦ الأخذ بالسنة واجتناب البدع رقم ٢٦٧٦.
  2. رواه ابن ماجه في المساجد والجماعات باب من بنى لله مسجداً رقم ٧٣٨. القطاة: نوع من الطيور. وقوله: كمحفص قطاة: هو موضعها الذي تجثم فيه وتبيض، لأنها تفحص عنه التراب، وهذا مذكورة لإفادة المبالغة، وإلا فأقل المسجد أن يكون موضعاً لصلاة واحدٍ.
  3. سورة الأنبياء: الآية ٢.
  4. رواه البخاري في صلاة التراويح باب فضل من قام رمضان رقم ٢٠١٠. وأما قول عمر رضي الله عنه: "نعمت البدعة هذه" فإنه يريد بها صلاة التراويح فإنه في حيز المدح، لأنه فعل من أفعال الخير، وحرص على الجماعة المندوب إليها، وإن كانت لم تكن في عهد أبي بكر رضي الله عنه، فقد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما قطعها إشفاقاً من أن تُفرض على أمته، وكان عمر ممن نبّه عليها وسنّها على الدوام، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وقد قال في آخر الحديث "والتي تنامون عنها أفضل" تنبيهاً على أن صلاة آخر الليل أفضل، قال: وقد أخذ بذلك أهل مكة، فإنهم يصلون التراويح بعد أن يناموا.
↗ مصدر النص: المكتبة الشاملة

English translation

On the authority of Abu Najeeh al-’Irbaad ibn Saariyah (may Allah be pleased with him) who said: The Messenger of Allah (peace and blessings of Allah be upon him) gave us a sermon by which our hearts were filled with fear and tears came to our eyes. So we said, “O Messenger of Allah! It is as though this is a farewell sermon, so counsel us.” He (peace and blessings of Allah be upon him) said, “I counsel you to have taqwa (fear) of Allah, and to listen and obey , for verily every bidah (innovation) is misguidance.” It was related by at-Tirmidhi, who said that it was a good and sound hadeeth.